الشيخ أحمد فريد المزيدي

341

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

العلم به . وأرجو أن يكون ذلك من فضل اللّه تعالى علي ورحمته لي ، وقد جعلك اللّه تعالى سببا لتنبهي على أمور ، لولا منة اللّه تعالى علي بك فيها ، لذهب بي التقصير عن العلم بها حيث ذهب بمن تقدم وصفك له ، فأوقفتني حقيقة علمك بها على زلله وخطأ رأيه . وقد أنعم اللّه علي بما أيدني به منك ، وعظم عندي قدر ما جعلك اللّه له أهلا ، وموضعا من شرحك لما تقدم من نعته ووصفه ، من أحوال الطبقات الثلاثة المتأولين ، وما وقع لهم من الخطأ في القصد والميل بالعمل إلى غير منهجه ، وإلى الانحراف فيه عن سواء السبيل . وقد احتجت أن تصف لي مقام العاملين للّه تعالى بحقيقة العلم ، والقائمين بحقه ، الصادقين فيما حملوا فيه ، وفيما قلدوه من تأديته ، الممدوحين بنشره ، وبما نقلوا إلى من دونهم منه ، والمحتسبين في تعليمهم الناس على صحة الإرادة ، وإصلاح النية ، وجميل السيرة ، واللذين لم تمل بهم الأطماع ولم يفتنهم الاختداع ، ولم تعرج بهم الأهواء ، ولم تسترقهم إرادات النفوس ، ولم تعطف بهم الدنيا ، ولم يجر عليهم الزلل والخطأ ، وكانوا في ذلك كله على صحة المعنى . قال الحكيم : أبشر بما فتح اللّه تعالى لك من باب السؤال ، ويسرك له من صحة المقال ، فإن ذلك إن شاء اللّه تعالى سبب إلى ركوب الأعمال ، ومباشرة جميل الأفعال ، ومؤديا لما أؤمله لك إلى تمهيد صدقك . فأخلص لإرادة للّه تعالى في حقيقة قصدك ، واجعل توسلك إلى الحكمة ، واستدعائك لما تحب منها ، تحصين سرك من العلل المانعة عنها ، وأصلح الضمير بإجمامه لما يجب لها . فإن الحكمة لمن اشتملت عليه فيها الرغبة ، واستولت على خالص سره المحبة ، وأشد عطفا وحنينا وميلا منا للأم الشفيقة ، والأب الرفيق . وكأني مع ذلك أرى سحابا من العلم غدقة منبسطة عليك ، مونقة قد أظلك غمامها ، وقويت لك الآمال باستتمامها . فاستمطر الغيث الكائن فيها ، بدوام الوقوف بحضرة فنائها ، وأدم الاستغاثة بمنزل الغيث ، ومنشر السحاب ، وكاشف الضر ومعتق الرقاب ، واعلم أنه جل ثناؤه يحيي بقطرة من غيث رحمته ، موات ما أنزلها عليه بريته . فتحرى طلب الحياة تكون السقيا ، فإن أوائل تلك الغمام توجدك الشفا ، وإن غدق ما بها يغسل عن سرك الميل إلى الدنيا ، ومباشرته بجسمك يغسل عنك سائر الأدواء ، وذوقك لسائغ طعمه يميت من نفسك الهوى . واعلم أن اللّه تعالى إذا أراد عبدا سهل له السبيل ، ووطأ له التثقيل ، وأسرع به في